السلام عليك ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك همس الهدى
وهنا نقل لتفسير ايات من تفسير ابن كثير والشوكاني - رحمهما الله - فيها بيان كيف يكون المؤمن في صرفه وفي إمساكه
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
وقوله {ولا تبذر تبذيراً} لما أمر بالإنفاق, نهى عن الإسراف فيه, بل يكون وسطاً كما قال في الاَية الأخرى {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} الاَية, ثم قال منفراً عن التبذير والسرف {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أي أشباههم في ذلك. قال ابن مسعود: التبذير الإنفاق في غير حق, وكذا قال ابن عباس, وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذراً, ولو أنفق مداً في غير حق كان مبذراً. وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى, وفي غير الحق والفساد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم, حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال, عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: أتى رجل من بني تميم إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إني ذو مال كثير, وذو أهل وولد وحاضرة, فأخبرني كيف أنفق, وكيف أصنع ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تخرج الزكاة من مالك إن كان, فإنها طهرة تطهرك, وتصل أقرباءك, وتعرف حق السائل والجار والمسكين» فقال: يا رسول الله أقلل لي ؟ «فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً» فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله وإلى رسوله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها, وإثمها على من بدلها».
** وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىَ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً * إِنّ رَبّكَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
يقول تعالى آمراً بالاقتصاد في العيش, ذاماً للبخل, ناهياً عن السرف {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} أي لا تكن بخيلاً منوعاً, لا تعطي أحداً شيئاً, كما قالت اليهود ـ عليهم لعائن الله ـ يد الله مغلولة أي نسبوه إلى البخل, تعالى وتقدس الكريم الوهاب, وقوله {ولا تبسطها كل البسط} أي ولا تسرف في الإنفاق, فتعطي فوق طاقتك, وتخرج أكثر من دخلك فتقعد ملوماً محسوراً, وهذا من باب اللف والنشر, أي فتقعد إن بخلت ملوماً يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك, كما قال زهير بن أبي سلمى في المعلقة:
ومن كان ذا مال فيبخل بماله على قومه يستغن عنه ويذمم
ومتى بسطت يدك فوق طاقتك, قعدت بلا شيء تنفقه, فتكون كالحسير, وهو الدابة التي عجزت عن السير فوقفت ضعفاً وعجزاً, فإنها تسمى الحسير, وهو مأخوذ من الكلال, كما قال {فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير} أي كليل عن أن يرى عيباً, هكذا فسر هذه الاَية بأن المراد هنا البخل والسرف: ابن عباس والحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم. وقد جاء في الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج, عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما, فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره, وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة منها مكانها, فهو يوسعها فلا تتسع» هذا لفظ البخاري في الزكاة.
وفي الصحيحين من طريق هشام بن عروة عن زوجته فاطمة بنت المنذر, عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنفقي هكذا وهكذا وهكذا ولا توعي فيوعي الله عليك, ولا توكي فيوكي الله عليك». وفي لفظ «ولا تحصي فيحصي الله عليك». وفي صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله قال لي: أنفق, أنفق عليك» وفي الصحيحين من طريق معاوية بن أبي مزرد عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً, ويقول الاَخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً».
وروى مسلم عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه, عن أبي هريرة مرفوعاً «ما نقص مال من صدقة, وما زاد الله عبداً أنفق إلا عزاً, ومن تواضع لله رفعه الله» وفي حديث أبي كثير عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً «إياكم والشحّ فإنه أهلك من كان قبلكم, أمرهم بالبخل فبخلوا, وأمرهم بالقطيعة فقطعوا, وأمرهم بالفجور ففجروا». وروى البيهقي من طريق سعدان بن نصر عن أبي معاوية عن الأعمش, عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يخرج رجل صدقة حتى يفك لحي سبعين شيطاناً».
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبيدة الحداد, حدثنا سكين بن عبد العزيز, حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص, عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما عال من اقتصد» وقوله: {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} إخباراً أنه تعالى هو الرزاق القابض الباسط المتصرف في خلقه بما يشاء, فيغني من يشاء, ويفقر من يشاء لما له في ذلك من الحكمة, ولهذا قال: {إنه كان بعباده خبيراً بصيراً} أي خبيراً بصيراً بمن يستحق الغنى ويستحق الفقر, كما جاء في الحديث «إن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الفقر, ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه, وإن من عبادي لمن لا يصلحه إلا الغنى, ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه» وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجاً, والفقر عقوبة, عياذاً بالله من هذا وهذا.
انتهى من تفسير سورة الإسراء
وقال الشوكاني في فتح القدير : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا" قرأ حمزة والكسائي والأعمش وعاصم ويحيى بن وثاب "يقتروا" بفتح التحتية وضم الفوقية، من قتر يقتر كقعد يقعد، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بفتح التحتية وكسر التاء الفوقية، وهي لغة معروفة حسنة، وقرأ أهل المدينة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم التحتية وكسر الفوقية. قال أبو عبيدة: يقال قتر الرجل على عياله يقتر ويقتر قتراً، وأقتر يقتر إقتاراً، معنى الجميع: التضييق في الإنفاق. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل في معنى الآية: إن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام. وقال إبراهيم النخعي: هو الذي لا يجيع ولا يعري، ولا ينفق نفقة، يقول الناس قد أسرف. وقال يزيد بن أبي حبيب: أولئك أصحاب محمد كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوباً للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة الله، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويقيهم الحر والبرد. وقال أبو عبيدة: لم يزيدوا على المعروف، ولم يبخلوا كقوله: "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط" قرأ حسان بن عبد الرحمن "وكان بين ذلك قواماً" بكسر القاف، وقرأ الباقون بفتحها، فقيل هما بمعنى، وقيل القوام بالكسر: ما يدوم عليه الشيء ويستقر، وبالفتح: العدل والاستقامة، قاله ثعلب. وقيل بالفتح: العدل بين الشيئين، وبالكسر: ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص
انتهى من فتح القدير