الحمد لله ربِّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين صلى الله و على آله وصحبه وسلم ، أما بعد :
فمعلومٌ لدى كلِ مسلمٍ مؤمنٍ بلقاء ربه أن الإسلام قد أهتم في شأن اليتيم و حث على رعايته و العنايةِ به و الإحسان إليه ورحمته و مواساته ، فيقول الله جلّ وعلا : ((وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ )) سورة النساء 36 ، و يقول سبحانه في سورة الضحى : ((فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ. وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ )) .
وقد جاء في السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة و أتم التسليم أنه قال فيما رواه مسلم في صحيحه ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين )) وشبك بين أصبعيه ، فتأمل رعاك الله في هذا الحديث ، قرابةُ كافلِ اليتيم من النبي عليه الصلاة و السلام في الجنة ، عملٌ قد يتغافل عنه كثير من المسلمين القادرين على رعاية غيرهم و الإحسان إليهم ، ولكن لو تأملوا الأجر و الثواب لهان عليهم ذلك .
واليتيم : هو الذي فقد أباه وهو صغير لم يبلغ الحلم، فإذا بلغ الحلم زال عنه وصف اليتيم .
ومن مظاهر رعاية اليتيم :
أولها : أنه قد يخلف له والده مالأ ، و لنقرأ معاً كلام الإمام العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله حول هذه المسألة ونصيحته في هذا الأمر حيث يقول رحمه الله : ((أما إذا خلفا له مالاً يقوم بحاله فإنه حينئذ لا يكون محلاً للصدقة، وإنما يكون محلاً للرعاية والعناية بماله والإحسان إليه حتى ينمو هذا المال ويحفظ )) إلى أن قال رحمه الله و غفر له : ((وقد قال الله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} ، فلا يقرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وذلك بالتصرف فيه بالتجارة والتنمية وبالنصح وأداء الأمانة حتى يبلغ اليتيم أشده أي حتى يبلغ الحلم، ويزول عنه السفه ويكون رشيداً، فإذا رشد دفع إليه ماله وأشهد عليه، ولا يجوز قرب ماله للطمع فيه والإساءة إليه، بل هذا من أعظم أسباب العقوبات وكبائر الذنوب، كما قال الله عز وجل: ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا )) ... انتهى كلامه رحمه الله و غفر له .
و من مظاهر رعايتهم أيضاً : العناية بهم و تعليمهم و تربيتهم التربية الإسلامية الصحيحة كتعليمهم العقيدة الإسلامية و السنة النبوية ، وتعليمهم الصلاة و شروطها و غيرها من أمور دينهم ، و تحذيرهم من البدع و المحدثات ، وتحذيرهم من الوقوع في المعاصي و المنكرات .
ونسأل الله أن يوفقنا لكل عملٍ صالح إنه القادر على ذلك ، ونسأله أن يحفظ ولاة أمرنا و يوفقهم لما يحبه ويرضاه و يرزقهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير و تحثهم عليه ، ونسأله سبحانه أن يعزّ الإسلام و أهله ، ويذل الشرك و المشركين .
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد و على آله وصحبه وسلم ، و الحمد لله ربِّ العالمين .